في قلب مدينة لوغانو السويسرية، حيث تمتزج الجبال الشاهقة بمياه البحيرة الهادئة، لم يعد مشهد الدفع النقدي أو بالبطاقات المصرفية هو الخيار الوحيد. داخل أحد مطاعم الوجبات السريعة المطلة على البحيرة، يطرح زبون سؤالًا غير مألوف قبل سنوات قليلة:
“هل يمكنني الدفع بعملة بيتكوين؟”
السؤال لم يعد يثير الدهشة في لوغانو، إذ يمد الموظف خلف المنضدة جهازًا يشبه أجهزة الدفع التقليدية، لكنه في الواقع مخصص للمدفوعات الرقمية المشفّرة. خلال ثوانٍ، يتم الدفع بطريقة لا تلامسية مباشرة من محفظة بيتكوين على الهاتف المحمول، بقيمة 0.00008629 بيتكوين، أي ما يعادل نحو 8.80 دولارات أمريكية.
هذه الممارسة ليست اجتهادًا فرديًا من أصحاب المتاجر، بل تأتي ضمن سياسة رسمية تتبناها سلطات المدينة. فقد قام مجلس مدينة لوغانو بتوزيع أجهزة الدفع بالعملات الرقمية مجانًا على المتاجر المحلية، في خطوة تهدف إلى دمج العملات المشفرة في الحياة اليومية، وتحويلها من أداة استثمارية إلى وسيلة تبادل حقيقية.
وتسعى المدينة، التي تُعد مركزًا ماليًا وتقنيًا متناميًا، إلى ترسيخ مكانتها كأحد أبرز المختبرات الأوروبية لتجربة الاقتصاد الرقمي. وبات بإمكان السكان والزوار استخدام بيتكوين لدفع ثمن القهوة، والطعام، وبعض الخدمات، وحتى الضرائب المحلية في حالات محددة.
ورغم هذا التوسع، لا يزال استخدام بيتكوين في المعاملات اليومية محدودًا على المستوى العالمي. فكثير من مالكي العملة المشفرة يفضلون الاحتفاظ بها كأصل استثماري، مراهنين على ارتفاع قيمتها مستقبلًا، بدل إنفاقها على مشتريات يومية قد تبدو بسيطة مقارنة بتقلبات سوق العملات الرقمية.
لكن تجربة لوغانو تعكس رؤية مختلفة، قوامها اختبار إمكانات بيتكوين خارج إطار المضاربة، وإعادة تعريف مفهوم النقود في عصر التحول الرقمي. وبينما تتردد مدن عديدة في خوض هذه التجربة، تمضي لوغانو بخطوات ثابتة نحو اقتصاد أكثر انفتاحًا على التكنولوجيا، حيث تصبح العملة الرقمية جزءًا من مشهد الحياة اليومية، لا مجرد رهان استثماري في الأسواق.
